الذهبي

54

سير أعلام النبلاء

أقبلت إلى مكة ، فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه ، وأشرب من ماء زمزم ، وأكون في المسجد . فمر علي بن أبي طالب ، فقال : هذا رجل غريب ؟ قلت : نعم . قال : انطلق إلى المنزل . فانطلقت معه ، لا أسأله عن شئ ، ولا يخبرني ! فلما أصبح الغد ، جئت إلى المسجد لا أسأل عنه ، وليس أحد يخبرني عنه بشئ . فمر بي علي ، فقال : أما آن للرجل أن يعود ؟ قلت : لا . قال : ما أمرك ، وما أقدمك ؟ قلت : إن كتمت علي أخبرتك ؟ قال : أفعل . قلت : قد بلغنا أنه قد خرج نبي . قال : أما قد رشدت ! هذا وجهي إليه ، فاتبعني وادخل حيث أدخل ، فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك ، قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي ! وامض أنت . فمضى ، ومضيت معه ، فدخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، اعرض علي الاسلام . فعرض علي ، فأسلمت مكاني . فقال لي : يا أبا ذر ، اكتم هذا الامر ، وارجع إلى قومك ! فإذا بلغك ظهورنا ، فأقبل . فقلت : والذي بعثك بالحق ، لأصرخن بها بين أظهرهم . فجاء إلى المسجد وقريش فيه ، فقال : يا معشر قريش ، إني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمد عبده ورسوله . فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ . فقاموا ، فضربت لأموت ! فأدركني العباس ، فأكب علي ، وقال : ويلكم تقتلون رجلا من غفار ، ومتجركم وممركم على غفار ! فأطلقوا عني . فلما أصبحت ، رجعت ، فقلت مثل ما قلت بالأمس . فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ ! فصنع بي كذلك ، وأدركني العباس ، فأكب علي . فهذا أول إسلام أبي ذر .